مصطفى لبيب عبد الغني

210

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

تركها . فإنّ المدمنين لغشيان النساء وشرب الخمور والسماع - على أنها من أقوى الشهوات وأوكدها غرزا في الطباع - لا يلتذونها التذاذ غير المدمنين لها لأنها تصير عندهم بمنزلة حالة كل ذي حالة عنده ، أعنى المألوفة المعتادة ، ولا يتهيّأ لهم الإقلاع عنها لأنها قد صارت عندهم بمنزلة الشئ الاضطراري في العيش لا بمنزلة ما هو فضل وتترّف . ويدخل عليهم من أجلها التقصير في دينهم ودنياهم حتى يضطروا إلى استعمال صنوف الحيل واكتساب الأموال بالتغرير بالنفس وطرحها في المهالك ، فإذا هم قد شقوا من حيث قدّروا السعادة واغتموا من حيث قدّروا الفرح وألموا من حيث قدّروا اللذة . وما أشبههم في هذا الموضع بالحاطب على نفسه الساعي في هلاكها ، كالحيوان المخدوعة بما ينصب لها في مصايدها ، حتى إذا حصلت في المصيدة لم تنل ما خدعت به ولا أطاقت التخلّص ممّا وقعت فيه . وهذا المقدار من قمع الشهوات مقنع ، وهو أن يطلق منها ما علم أنّ عاقبته لا تجلب ألّما ولا ضررا دنيائيا موازيا للذّة المصابة منها فضلا عمّا تجلب مما يوفى ويرجح على اللذّة التي أصيبت في صدورها . وهذا يراه ويقول به ويوجب حمل النفس عليه من كان من الفلاسفة لا يرى أن للنفس وجودا بذاتها ، ويرى أنها تفسد بفساد الجسم الذي هي فيه . فأما من يرى الأداة والآلة وأنها لا تفسد بفساده فيرتقون من زم الطباع ومجاهدة الهوى ومخالفته إلى ما هو أكثر من هذا كثيرا جدا ، ويرذلون ويستنقصون المنقادين له والمائلين معه تنقّصا شديدا ويحلونهم محل البهائم ، ويرون أن لهم - في اتفاع الهوى وإيثاره والميل مع اللذات والحب لها والأسف على ما فات منها وإيلام الحيوان لبلوغها ونيلها - عواقب سوء بعد مفارقة النفس للجسد يكثر ويطول لها ألمها وأسفها وحسرتها . وقد يستدل هؤلاء من نفس هيئة الإنسان على أنه لم يتهيأ للشغل باللذات والشهوات بل لاستعمال الفكر والرويّة من تقصيره في ذلك عن الحيوان غير الناطق . ( ص 20 - 24 ) . * * *